الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

107

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

ومناسبة تحريم هذه المحرّمات للكون جزاء لبغيهم : أنّ بغيهم نشأ عن صلابة نفوسهم وتغلّب القوّة الحيوانيّة فيهم على القوّة الملكيّة ، فلعلّ اللّه حرّم عليهم هذه الأمور تخفيفا من صلابتهم ، وفي ذلك إظهار منّته على المسلمين بإباحة جميع الحيوان لهم إلّا ما حرّمه القرآن وحرّمته السنّة ممّا لم يختلف فيه العلماء وما اختلفوا فيه . ولم يذكر اللّه تحريم لحم الخنزير ، مع أنّه ممّا شمله نصّ التّوراة ، لأنّه إنّما ذكر هنا ما خصّوا بتحريمه ممّا لم يحرّم في الإسلام ، أي ما كان تحريمه موقّتا . وتقديم المجرور على عامله في قوله : وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ للاهتمام ببيان ذلك ، لأنّه ممّا يلتفت الذّهن إليه عند سماع تحريم كلّ ذي ظفر فيترقّب الحكم بالنّسبة إليهما فتقديم المجرور بمنزلة الافتتاح ب ( أمّا ) . وجملة : ذلِكَ جَزَيْناهُمْ بِبَغْيِهِمْ تذييل يبيّن علّة تحريم ما حرّم عليهم . واسم الإشارة في قوله : ذلِكَ جَزَيْناهُمْ مقصود به التّحريم المأخوذ من قوله : حَرَّمْنا فهو في موضع مفعول ثان : ل جَزَيْناهُمْ قدّم على عامله ومفعوله الأوّل للاهتمام به والتّثبيت على أنّ التّحريم جزاء لبغيهم . وجملة : وَإِنَّا لَصادِقُونَ تذييل للجملة التي قبلها قصدا لتحقيق أنّ اللّه حرّم عليهم ذلك ، وإبطالا لقولهم : إنّ اللّه لم يحرّم علينا شيئا وإنّما حرّمنا ذلك على أنفسنا اقتداء بيعقوب فيما حرّمه على نفسه لأنّ اليهود لمّا انتبزوا بتحريم اللّه عليهم ما أحلّه لغيرهم مع أنّهم يزعمون أنّهم المقرّبون عند اللّه دون جميع الأمم ، أنكروا أن يكون اللّه حرّم عليهم ذلك وأنّه عقوبة لهم فكانوا يزعمون أنّ تلك المحرّمات كان حرّمها يعقوب على نفسه نذرا للّه فاتّبعه أبناؤه اقتداء به . وليس قولهم بحقّ : لأنّ يعقوب إنّما حرّم على نفسه لحوم الإبل وألبانها ، كما ذكره المفسّرون وأشار إليه قوله تعالى : كُلُّ الطَّعامِ كانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرائِيلَ إِلَّا ما حَرَّمَ إِسْرائِيلُ عَلى نَفْسِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْراةُ في سورة آل عمران [ 93 ] . وتحريم ذلك على نفسه لنذر أو مصلحة بدنية لا يسرى إلى من عداه من ذرّيته . وأنّ هذه الأشياء التي ذكر اللّه تحريمها على بني إسرائيل مذكور تحريمها في التّوراة فكيف ينكرون تحريمها . فالتّأكيد للردّ على اليهود ونظير قوله هنا : وَإِنَّا لَصادِقُونَ قوله في سورة آل عمران [ 93 ] . عقب قوله : كُلُّ الطَّعامِ كانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرائِيلَ . قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْراةِ فَاتْلُوها إِنْ